العيني

150

عمدة القاري

النوع الثاني : في بيان مذاهب الأئمة في هذا الباب ، فذهب قوم إلى ظاهر هذه الأحاديث وأجازوا الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في السفر في وقت أحدهما ، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق . وقال ابن بطال : قال الجمهور : المسافر يجوز له الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقا . وقال شيخنا زين الدين . وفي المسألة ستة أقوال : أحدها : جواز الجمع مثل ما قاله ابن بطال ، وروى ذلك عن جماعة من الصحابة منهم : علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأسامة بن زيد ومعاذ بن جبل وأبو موسى وابن عمر وابن عباس ، وبه قال جماعة من التابعين ، منهم : عطاء بن أبي رباح وطاووس ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد وربيعة الرأي وأبو الزناد ومحمد بن المنكدر وصفوان بن سليم ، وبه قال جماعة من الأئمة منهم : سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر ، ومن المالكية : أشهب ، وحكاه ابن قدامة عن مالك أيضا ، والمشهور عن مالك : تخصيص الجمع بجد السير . والقول الثاني : إنما يجوز الجمع إذا جد به السير ، روي ذلك عن أسامة بن زيد وابن عمر وهو قول مالك في المشهور عنه . القول الثالث : إنه تجوز إذا أراد قطع الطريق ، وهو قول ابن حبيب من المالكية ، وقال ابن العربي : وأما قول ابن حبيب فهو قول الشافعي ، لأن السفر نفسه إنما هو لقطع الطريق . والقول الرابع : أن الجمع مكروه ، وقال ابن العربي : إنها رواية المصريين عن مالك . والقول الخامس : أنه يجوز جمع التأخير لا جمع التقديم ، وهو اختيار ابن حزم . والقول السادس : أنه لا يجوز مطلقا بسبب السفر ، وإنما يجوز بعرفة والمزدلفة ، وهو قول الحسن وابن سيرين وإبراهيم النخعي والأسود وأبي حنيفة وأصحابه ، وهو رواية ابن القاسم عن مالك ، واختاره في ( التلويح ) : وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى منع الجمع في غير هذين المكانين ، وهو قول ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص فيما ذكره ابن شداد في كتابه ( دلائل الأحكام ) وابن عمر في رواية أبي داود وابن سيرين وجابر بن زيد ومكحول وعمرو بن دينار والثوري والأسود وأصحابه وعمر بن عبد العزيز وسالم والليث بن سعد ، وقال ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : حدثنا وكيع حدثنا أبو هلال عن حنظلة السدوسي عن أبي موسى أنه قال : الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر ، قال صاحب ( التلويح ) : وأما قول النووي : إن أبا يوسف ومحمدا خالفا شيخهما ، وإن قولهما كقول الشافعي وأحمد فقد رده عليه صاحب ( الغاية في شرح الهداية ) بأن هذا لا أصل له عنهما . قلت : الأمر كما قاله ، وأصحابنا أعلم بحال أئمتنا الثلاثة ، رحمهم الله . واستدل أصحابنا بما رواه البخاري ومسلم ( عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله تعالى عنه ، قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير وقتها إلاّ بجمع فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع ، وصلى صلاة الصبح في الغد قبل وقتها ) ، وبما رواه مسلم عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى ) . والجواب عن هذه الأحاديث التي فيها الجمع في غير عرفة ، وجمع ، ما قاله الطحاوي في ( شرح معاني الآثار ) : أنه صلى الأولى في آخر وقتها ، والانية في أول وقتها ، ، لا أنه صلاهما في وقت واحد ، ويؤيد هذا المعنى حديث ابن عباس ، رضي الله تعالى عنه قال : ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا ، والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر ) . رواه مسلم وفي لفظ قال ( جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر . قيل لابن عباس : ما أراد إلى ذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته . قال : ولم يقل أحد منا ولا منهم بجواز الجمع في الحضر ، فدل على أن معنى الجمع ما ذكرناه من تأخير الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية في أول وقتها . فإن قلت : لفظ مسلم في حديث الباب : ( أن ابن عمر كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق ، ويقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ) . وهذا صريح في الجمع في وقت إحدى الصلاتين . وقال النووي : وفيه إبطال تأويل الحنفية في قولهم : إن المراد بالجمع تأخير الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية في أول وقتها ؟ قلت : الشفق نوعان : أحمر وأبيض ، كما اختلف فيه الصحابة والعلماء ، فيحتمل أنه جمع بينهما بعد غياب الأحمر فتكون المغرب في وقتها على قول من يقول : الشفق هو الأبيض ، وكذلك العشاء تكون في وقتها على قول من يقول : الشفق هو الأحمر ، ويطلق عليه أنه جمع بينهما بعد غياب الشفق ، والحال أن كل واحدة منهما وقعت في وقتها على اختلاف القولين في الشفق ، فهذا يسمى جمعا : صورة لا وقتا . فإن قلت : لفظ النسائي في حديث ابن عمر : ( جمع بين الظهر والعصر حين كان بين الصلاتين ،